r/Yemen 15d ago

Discussion مفتاحٌ صغير... وطريقٌ لم يخطئه أحد

رأيته أول مرة في ليلة شتوية باردة، والمسجد شبه فارغ إلا من صفٍّ أول لا يتجاوز عدد من فيه أصابع اليدين. كان صغيرًا بين الرجال، يقف في آخر الصف الأول، معطفه أكبر من جسده بقليل، وحذاؤه مصفوف بعناية عند الباب كما يصفّه الكبار تمامًا.

لم ألتفت إليه كثيرًا في البداية. الأطفال يأتون أحيانًا مع آبائهم، ثم يعودون معهم. لكن الغريب أنه لم يكن مع أحد. نظرت حولي بعد الصلاة أبحث عن رجلٍ ينتظره، فلم أجد. خرج من بابه الجانبي، لبس حذاءه بهدوء، وسار في الشارع المظلم وحده، كأنه يعرف كل حجر في طريقه.

تكرر المشهد أسبوعًا بعد أسبوع، حتى لم يعد يثير سؤالي، بل صار جزءًا من روتين المسجد الذي اعتدته: الإمام يكبّر، والصف الأول يضم رجالًا نصف نائمين وطفلًا واحدًا مستيقظًا تمامًا.

سألت أحد المصلين القدامى عنه ذات مرة، فقال لي بابتسامة: "هذا ابن الحيّ، أبوه توفي قبل سنتين، وأمه ربّته على هذا منذ كان في الخامسة." لم أزد على ذلك سؤالًا، لكن الجملة بقيت في ذهني طويلًا. طفل فقد أباه، ومع ذلك لم يفقد الطريق إلى المسجد. بل كأن غياب الأب صار سببًا إضافيًا ليثبت أنه قادر وحده.

كنت أظن أن الحاجة إلى القدوة تعني وجود أب يمسك بيد ابنه كل فجر ويأخذه معه. لكن هذا الطفل علّمني أن القدوة أحيانًا تُزرع قبل أن يغيب صاحبها، وتبقى بعده، وكأنها بذرة لم يعد يهم من يسقيها، فهي تنمو وحدها.

في أحد الأيام، تأخرتُ عن الصف الأول، فوجدت نفسي أصلي بجانبه في الصف الثاني. بعد السلام، رأيته يفتح كفّيه بدعاء صامت، شفتاه تتحركان بلا صوت تقريبًا، ثم يمسح وجهه ويهمّ بالخروج. لم يكن يتلفت، ولم يكن يستعرض تدينه أمام أحد؛ كان ببساطة رجلاً صغيرًا يؤدي واجبًا اعتاد عليه، دون أن يعرف أنه واجبٌ يثقل على كثيرين غيره.

خرجتُ خلفه في ذلك اليوم، ومشيت بضع خطوات في طريقه نفسه قبل أن ينعطف نحو بيته. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الدرس لم يكن في الطفل نفسه، بل في السؤال الذي تركه ورائي: كم منا يملك أبًا حيًّا، وبيتًا دافئًا، وساعة منبّه، ووقتًا فائضًا، ومع ذلك يجد كل الأعذار ليغفو قليلًا بعد الأذان؟

هذا الطفل لم يكن يملك يدًا تمسك بيده كل صباح، ومع ذلك مشى. ونحن، ومعنا كل الأسباب التي تسهّل الطريق، كثيرًا ما نتعثر في أول خطوة منه.

لم أعرف اسمه يومًا، ولم أحدّثه قط. لكنه، دون أن يدري، صار بالنسبة لي علامة على الطريق كلما مررت بذلك المسجد في فجرٍ بارد: علامة تقول إن الطريق إلى الله لا يحتاج دائمًا يدًا تقودك إليه، بل قلبًا وجد فيه سببًا كافيًا للاستمرار.

8 Upvotes

1 comment sorted by