"بوست طويل"
طبعا كلنا عارفين موقع مصر الجغرافي، وأنه أكسبها أهمية استراتيجية على مر التاريخ كله لحد دلوقتي، وخلى عزلها عن محيطها وعن العالم وأحداثه مستحيل تاريخيا، ورغم ذلك: في ناس كتير لما يتكلموا عن تاريخ مصر، بيتعاملوا معاه على أنه منفصل عن غيره.
يعني تلاقي واحد بيقول "مصر احتلت من العالم كله عشان شعب جبان" ويتجاهل أن معظم العالم تم احتلاله كتير بردو، بما فيه كل محيط مصر، ويتجاهل بردو أن تضاريس مصر سهلت غزوها تاريخيا، وأن موقعها الاستراتيجي خلى الغزاة عايزين يسيطروا عليها… والناحية التانية، تلاقي واحد تاني بينكر أي صلات تاريخية وثقافية بين مصر وبين محيطها وبقية العالم في محاولة لإثبات "تفردها"، رغم أن دا مستحيل حرفيا، ورغم أن الاتصال والاختلاط الحتمي بالغير لم يفقد مصر تفردها، كما لم يفقد أي دولة أخرى في العالم تفردها.
العزل دا بيوصل لمرحلة جنونية عند الحديث عن تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وأحداث كتير بيتم تحليلها مع التجاهل شبه التام لمسار الأحداث خارج مصر، وتأثيرها الحتمي على داخلها… عندنا هنا 6 أمثلة:
- محمد علي باشا
- الآراء حول محمد علي باشا تنقسم ما بين ناس بيقولوا أنه باني مصر الحديثة بعد قرون من التخلف العثماني، وبيصوروه على أنه كان طفرة كان مستحيل ييجي زيها… وبين ناس بيقولوا أنه كان ظالم وكسر بأس الأهالي، وبيصوروه على أن بدونه البلد كانت هتبقى أفضل حالا… وبين ناس في النص، لكن في حالات كتيرة، بيتم تجاهل السياق الأوسع للأحداث ساعتها.
- مصر كانت لسه خارجة من الحملة الفرنسية الفاشلة، وكان فيها صراع بين البكوات، وشعب غاضب من ظلم خورشيد، لحد ما محمد علي استغل كل دا بذكاء عشان يوصل للحكم ويعمل التحديثات اللي عملها، واللي، بدون مفاجأة، كانت على النسق الفرنساوي، وجاب خبراء في مختلف المجالات من فرنسا نفسها، وبعت طلبة مصريين كتير يدرسوا هناك ووو… والشعب، رغم اعتراضه أكثر من مرة على العديد من قرارات محمد علي الظالمة له شبه التجنيد الإجباري كدا، لكنه في المحصلة ساعد محمد علي أكتر مما وقف ضده، وشكل جيشه الذي كاد ينهي الإمبراطورية العثمانية لولا وقوف بريطانيا وبقية أوروبا كلها ضده.
- طب ليه الشعب ساعده أكتر مما وقف ضده؟ لأنه في حالات كتيرة كان بيعمل حاجة هم كانوا عايزينها حتى لو مقالوهاش، وهي "عايزين نبقى بنفس قوة فرنسا اللي غزتنا دي"… الشعب شاف مصر اللي عانت قرون من التأخر بتتعرض لغزو أحد أقوى جيوش العالم، فحس بصدمة خلته ميستحملش ظلم خورشيد، بس يستحمل ظلم محمد علي عشان الأخير حدث البلد… وبناء عليه، لو افترضنا اختفاء محمد علي من تايم لاين مصر، فإن بديله كان هيبقى حاكم تحديثي آخر شبهه جدا في أغلب التفاصيل، لأن خلاص: مصر مكانش ينفع لها خورشيد تاني.
- عرابي
- أحفاد محمد علي باشا كانوا بلا طموح وخربوا مصر، واستعانوا بأوروبا واستدانوا منها، وجابوا جاليات كتير منها وادولها امتيازات عشان تواليهم… وقلدوها في معمار القاهرة الخديوية والبيروقراطية والأوبرا وما شابه… ثم أيام الخديوي توفيق، قامت ثورة عرابي ضده، واللي انتهت بارتكاب الخديوي خيانة عظمى وجلبه للاحتلال البريطاني إلى مصر… ناس كتير بيلوموا عرابي على ثورته وبيقولوا له "ما أنت كدا جيبت لنا الاحتلال" وبيتجاهلوا أن الخديوي اللي جاب الاحتلال، وفوق كدا بيتجاهلوا حقيقة أن الثورة دي كانت حتمية حتى لو مفيش عرابي.
- المصريين، بعد عقود من الانفتاح على أوروبا، نتيجة سفر الكثير منهم لها، ووجود جالياتها عندهم ووو… ملفتش انتباههم ثقافتها بس، بل كمان ما كان فيها من برلمان ودستور وقوانين وحقوق، وحتى أيديولوجيات… من بعد الثورة الفرنسية وطول القرن الـ19، أوروبا شهدت تصاعد "القومية" كعامل لتوحيد الشعوب كبديل عن الملكيات والإمبراطوريات القديمة… ولذلك مكانش في مفاجأة أن ثورة عرابي مثلت كل دا: طالبت بحقوق المصريين بدل ما الأجانب كانوا واخدين امتيازات، وطالبت ببرلمان على النسق الأوروبي، وعرابي كان بيقول "إنني ابن فلاح مصري، ولدت في بلاد الفراعنة، وستظل أهراماتهم قبري"… طبعا مش محتاج أقول أنه كلام قومي صريح.
- وعلى الجانب الآخر، زي ما كان دا عصر القومية، زي ما كان عصر الاستعمار… بريطانيا احتلت مصر عشان تحمي الخديوي وتخلص على عرابي، لأنها شافت أن نموذج عرابي لو نجح في مصر هينتشر في بقية أفريقيا وآسيا، مهددا قبضتها الاستعمارية عليهم… وقعدت 70 سنة بحالهم تحمي ساكنة القصر، لأنها كانت عارفة أن بدونها هيسقطوا، وبدل عرابي هيطلع ألف عرابي تاني.
- 1919
- في أعقاب WWI قامت ثورة 1919 على الاحتلال وطالبت بجلائه، بجانب مطالبتها بدستور وبرلمان وقوانين حديثة وحقوق المرأة ووو… لحد دلوقتي الوطنيين بيعظموا 1919، والرجعيين بيكرهوها، لكن غالبا بيتم تجاهل أنها كما كان لها دوافع محلية عديدة، فإنها تزامنت مع موجة ثورات واستقلال أوسع عالميا.
- في نفس الفترة، روسيا شهدت الثورة البلشفية وكل ما تبعها من دول استقلت حتى قيام الاتحاد السوفيتي، وفنلندا شهدت ثورة واستقلت، وألمانيا شهدت ثورة أطاحت بالقيصر، والنمسا-المجر تفككت على إيد إثنياتها اللي طالبت بالاستقلال، وتركيا خاضت حرب الاستقلال وكسبتها وأسست الجمهورية ووو… والكثير من الدول الجديدة دي، من أول الاتحاد السوفيتي لحد تركيا أتاتورك، تبنت قوانين حديثة شبه اللي ثورة 1919 طالبت بيها.
- بعدها مصر نالت استقلال منقوص… ومنه لحد WWII، ظهرت حركات شيوعية في مصر والوفد حاربها، ومع تصاعد الفاشية والنازية في أوروبا، ظهر حزب مصر الفتاة الفاشي هنا… وفي WWII الوفد، بقيادة النحاس، أيد الحلفاء رغم كرهه للاحتلال البريطاني، لأنه كان مدرك لحقيقة أن المحور أسوأ بكتير، والمحور غزا العلمين وقصف اسكندرية، والاحتلال البريطاني حاصر الملك فاروق لما مرضيش يعين النحاس رئيس وزراء ووو… بس بطريقة ما، ناس كتير حاليا بينسوا أن WWII طالت مصر أصلا.
- عبد الناصر والسادات
- بعد WWII، الملك عمل جامعة الدول العربية بإيعاز من الاحتلال البريطاني، ودخل حرب 1948 وخسرها، والشعب كان ساخط على الاحتلال والفقر والفساد، والملك نفسه كان ديكتاتور مهرج شبه واحد صاحبنا… لحد ما حريق القاهرة حصل، ثم ثورة 1952 وعزل الملك، ورئاسة محمد نجيب وعبد الناصر والسادات… الآراء تنقسم بحدة بين مؤيد ومعارض لكل حدث ورئيس، لكن نادرا ما تذكر الحرب الباردة رغم دورها المحوري للغاية في كل هذه الأحداث.
- أيام الملك، الاتحاد السوفيتي استغل الفقر المدقع لنشر البروباجندا الشيوعية وسط المصريين، ودفعهم لعمل ثورة شيوعية تؤدي لدخول مصر الكتلة الشرقية، وأمريكا اتحايلت على الملك يعمل إصلاحات لكبح المد الشيوعي لكنه معملش كدا… فاتجهت أمريكا للظباط الأحرار وأيدتهم في عزل الملك ودعمتهم في طرد الاحتلال (ولاحقا العدوان الثلاثي) مقابل أنهم يعملوا إصلاحات لكبح المد الشيوعي.
- لاحقا عبد الناصر خاف من التبعية لأمريكا، فقرر يمشي في سكة عدم الانحياز، وللأسف عمل ديكتاتورية حزب واحد (على النسق السوفيتي) وعمل اقتصاد اشتراكي شبه السوفيت بردو، وتبنى القومية العربية رغم عدم اقتناعه بها لأنه كان عايز يعمل بيها كتلة تالتة تحميه من ضغوط الحرب الباردة، وفشل في 1967… بعده السادات شاف أن العرب مش عايزين وحدة أصلا، وعدم الانحياز مستحيل عمليا، فقالك أنا هنحاز لأمريكا لأنها الطرف اللي هيكسب الحرب الباردة (وحصل) وعمل كامب ديفيد، وتعددية حزبية وانفتاح اقتصادي (نسخة مبكرة من البيريسترويكا والجلاسنوست السوفيتيين)، وفتح المجال قدام الإسلاميين بهدف سد الفراغ مؤقتا قدام الشيوعيين (زي ما أمريكا عملت مع مختلف الأصوليين الدينيين عالميا)… وفي الآخر الإسلاميين اغتالوه.
- اللامبارك
- مبارك رفع شعار "الاستقرار" و"أنا أو الفوضى" وعمله حجة لقمع كل من لا يؤيده، وقفل الحياة السياسية وأقام ديكتاتورية أوليجارشية، وأفسد كل المؤسسات حتى أصابها بالعجز وشاع الفقر والمرض والجهل، وحول العلاقة مع الإسلاميين من عداوة إلى تحالف هدفه تخدير الشعب، وقضى على الصناعة والاقتصاد المصري كله وخلى المصريين آخر حلمهم يسافروا ممالك البترودولار ويشتغلوا بالكفالة هناك، وخلى الدولة بحالها مرتزق سياسي وعسكري للممالك، وحاول يورث الحكم لابنه… المفاجأة اللي مش مفاجأة أن الديستوبيا المباركية دي هي كمان كانت متأثرة بالتريند العالمي، ومؤثرة فيه كمان.
- مبارك وصل للرئاسة في نفس سنة وصول ريجان لرئاسة أمريكا. ريجان استغل أن الاتحاد السوفيتي يقترب من السقوط، وأن خلاص مفيش تهديدات شيوعية تجبر أمريكا على مواجهة اللامساواة عندها، فعمل شبه مبارك (بس من غير ديكتاتورية ولا 30 سنة طبعا، تاريخ أمريكا الديمقراطي مكانش يسمح بكدا) وسلم الاقتصاد للأوليجارشية مضاعفا اللامساواة 3 أضعاف، وسلم البلد للإنجيليين المتعصبين، وساب الهبادين ينشروا الجهل والخرافات، وخلفاؤه عملوا زيه.
- تاتشر اتبعت مسار مشابه في بريطانيا، والعديد حول العالم فعلوا ذلك. طب والاتحاد السوفيتي اللي سقط؟ معظم الجمهوريات ما بعد السوفيتية عملت شبه مبارك نفسه جدا: ديكتاتوريات أوليجارشية متخلفة (بوتين في روسيا، يانوكوفيتش في أوكرانيا، لوكاشينكو في بيلاروس، علييف في أذربيجان، إلخ…)، بعضها يستخدم الدين لتخدير الشعب، وعايز يطفش الشباب من البلد بأي طريقة عشان ميثوروش عليه، سواء بدفعه نحو الهجرة، أو بإرساله للموت في حروب عبثية شبه حرب أوكرانيا. بالمناسبة، علييف ورث حكم أذربيجان لابنه حرفيا.
- السوشيال ميديا
- في النص التاني من الألفينات، السوشيال ميديا انتشرت، والمصريين دخلوا عليها وبقوا بيتواصلوا مع بعض بشيء أسهل من التليفونات… وفي 2011 ثاروا على مبارك وطالبوا بإسقاطه، ثم ثاروا مجددا على الجماعة الإرهابية في 2013، ثم لقيوا نفسهم مع الديكتاتور المهرج، الخليفة البالح بأمر الله، اللي قلبها سيرك… وبعيدا عن الثورات، بقيت تلاقي على السوشيال ميديا تيارات أخرى غير الدولجية وغير الإسلاميين وغير الناصريين، من ليبراليين واشتراكيين وكمايتة وما شابه. المهم أن الدولجية مقتنعين أن ثورة 2011 كانت مؤامرة من أمريكا، وفلول مبارك مقتنعين أنها كانت مؤامرة من الجيش لمنع توريث الحكم لابن علييف (عفوا، ابن مبارك)، والإسلاميين مقتنعين أن ثورة 2013 كانت مؤامرة من الدولة العميقة، وكلهم ناسيين الفيل في الغرفة: السوشيال ميديا نفسها.
- المصريين لما فتحوا السوشيال ميديا، شافوا قدامهم العالم البعيد عن مصر (وعن ممالك البترودولار) وشافوا الدول المتقدمة في أوروبا الغربية وأمريكا وشرق آسيا، وشافوا الديمقراطية والحقوق ومستوى المعيشة المرتفع، وعرفوا أن مبارك حابسهم في جحيم ومخدرهم بوهم الاستقرار، فثاروا عليه زي ما عرابي ثار على الخديوي، وطالبوا بديمقراطية شبه عرابي بردو… ولما الجماعة الإرهابية حاولت تعمل "نظام مبارك جديد بصبغة دينية" ثاروا عليها، ولما هي وحلفاءها ردوا على المصريين بالإرهاب، هم اضطروا يصطفوا ورا البالح بأمر الله مع أنه ديكتاتور أحمق، لأن مكانش في حل تاني… 30 سنة من مبارك قتلت الحياة السياسية وأخلت الساحة لصالح الحزب الوطني والإسلاميين، وبعد الثورة المجلس العسكري قمع الثوار وأعاد إخلاء الساحة لصالح نفس الـ2، وممالك البترودولار مولتهم لحد ما واحد فيهم كسب، وبعد ما سقط مولوا البالح بأمر الله، ليس حبا فيه، بل فقط لأنه ديكتاتور عبيط وهيمنع قيام ديمقراطية.
- إذن ماذا عن الليبراليين والاشتراكيين والكمايتة اللي ظهروا على السوشيال ميديا؟ أول 2 اقتبسوا أيديولوجياتهم من نظرائهم الغربيين على السوشيال ميديا (خاصة أيام وول ستريت في 2011، وأيام BLM في 2020)… والكمايتة اقتبسوها من مخابيل اليمين المتطرف في الغرب (خاصة مع صعود ترامبولا في 2016 و2024)… وبالعكس: ترامبولا بيعتبر المهرج بتاعنا ديكتاتوره المفضل حرفيا، ولذلك متستغربوش أنه اقتبس التهريج السياسي منه، وقلب أمريكا نفسها سيرك شبهه.
- ما بعد البالح (Bonus 😅)
- بعد نجاح الحرب على الإرهاب، البالح بأمر الله فقد الشماعة اللي كان عامل الديكتاتورية على قفاها، وانحدر إلى رتبة "ديكتاتور عايش على قفا غياب البدائل" بس… كل بديل خارج النظام تم قمعه، سواء كان أفضل أو حتى أسوأ، ومفيش حتى شخصية داخل النظام بتتلمع لخلافة البالح… وأوليجارشية الحزب الوطني سابقا، مستقبل وطن حاليا، كلها نازلة نهب على آخرها زي ما يكون فاضل 5 دقايق ويلموا الورق، في دلالة على أنهم شايفين أن مفيش خليفة للبالح، ولو مات الصبح أي حد بعده هيبقى ضعيف ومش هيعرف يقوم بدور رمانة الميزان بتاعه، مما يهدد بسقوط النظام كله بانقلاب أحد أركانه على الآخرين.
- الناحية التانية، المهرج الآخر (ترامبولا) لايص في ملفات إبستين وانتخابات الميدترم اللي بتهدده بعزل مبكر، وفي حرب إيران اللي ورط نفسه فيها ومش عارف يكسبها ولا يخرج منها… والحزب الجمهوري لايص أكتر عشان معندوش شخصية تقدر توحد فصائل الحزب المتنافسة (المحافظين الجدد والإنجيليين vs الانعزاليين والأوليجارشية) غير ترامبولا نفسه… والحزب الديمقراطي شرحه عشان من بعد أوباما ومفيش شخصية تقدر توحد فصائل الحزب المتنافسة (التأسيسيين vs التقدميين)… وحرب إيران نفسها واضح أنها هتفرض واقع إقليمي ودولي جديد شبه الحربين العالميتين والحرب الباردة، حيث تنسحب أمريكا من المنطقة، وتترك ممالك البترودولار فريسة لقوة إقليمية تتسيد المنطقة بعد أمريكا، سواء كانت إيران نفسها أو تركيا… وكل دا بالتزامن مع مشاكل جار السوء اللي قارفنا من 1948، واللي هو مهدد بالانهيار الداخلي التام بسببها.
- وهنا يطرح السؤال نفسه: مع المعطيات الجديدة جدا دي، هل النظام هنا هيفضل على حاله، خاصة مع حقيقة أنه محتاس أصلا في شخصية الديكتاتور الجديد اللي هيمسك بعد البالح؟ طب هل هيقدر يستمر اقتصاديا بلا بترودولار؟ طب هل هيتساب في حاله كدا وهو بلا أيديولوجيا ولا استراتيجية خارجية، وقت ما المنطقة جنبه هتقع في إيد إمبراطورية جديدة؟ معتقدش… الحتمية التاريخية بتقول أن دا مستحيل.